ابن حزم
467
الاحكام
عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) * فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج ، وأين يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى ، من قتل أنفسهم بأيديهم ، فكل شئ كلفناه يهون عند هذا ، وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه من خطر على ميت تنجس يوما إلى الليل ، وسائر الثقائل التي كلفوا وحرم عليهم ، وخفف عنا ذلك كله . ولله الحمد والمنة . وأما قوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) * فإنما معناه بخير منها لكم ، وكلام الله لا يتفاضل في ذاته ، فمعناه أكثر أجرا . ولو احتج بهذه الآية من يستجيز أن يقول : لا ننسخ الأخف إلا بالأثقل لكنا أقوى شغبا ممن خالفه ، لأنه لا خلاف أن الأثقل فاعله أعظم أجرا وقد قال عليه السلام لعائشة في العمرة : هي على قدر نصبك ونفقتك كانت الناسخة أعظم أجرا ، فلا يكون ذلك إلا لثقلها ، فهذه الآية عليهم لا لهم فسقط احتجاجهم بكل ما شغبوا به . ثم نقول : إن من قال : إن الله تعالى إنما يلزمنا أخف الأشياء : فإنه يلزمه إسقاط الشرائع كلها ، لأنها كلها ثقال بالإضافة إلى ترك عملها ، والاقتصار على عمل جزء من كل عمل منها ، وهذا شئ يعلم بالحس والمشاهدة . فصار قول من خالفنا مؤديا إلى الخروج عن الاسلام جملة ولا عمل في الدنيا إلا وفيه كلفة ومشقة . وقد قال الشاعر : هل الولد المحبوب إلا تعلة وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل وفي الأكل والشرب مشقة ، فلو أن الانسان يصل إلى ذوق الطعوم المستطابة والشبع ، دون تكلف تناول ومضغ وبلع ، لكان أخف عليه وأقل مشقة وأيسر غررا ، فرب مختنق بأكله كان في ذلك حتفه ، أو الاشراف على الحتف . ورب متأذ بما يدخل من ذلك في جوفه ، وبما يدخل بين أضراسه ، ومغث لمعدته